جديد

الخميس، 12 مارس 2020

الأذن الموسيقية: سلبيات الاملاء الموسيقي.












مقتطف من كتاب الطريقة المنهجية لتربية و تكوين الأذن الموسيقية لمحمد الزكراوي : 

من الضروري إلقاء الضوء حول نوعية الممارسة السائدة في تلقين المادة السمعية، و التي تتمثل في توخي الاملاء كعملية رئيسية  مسلم بها في تكون السمع الموسيقي، و ذلك بغية الكشف عن مساوئها التي تقف بمثابة المعيق الاساسي لإعداد حاسة السمع الموسيقي الاعداد الحقيقي الذي يتماشى مع طبيعة إستخدام هذه الاخيرة في استيعاب و ضبط العناصر المكونة للمسموع. و ليس هناك في عمق نيتي و لا من صلب تربيتي، ما يجعلني أنحو منحى الحط و التقليل بمجهود السابقين في هذا المضمار بل هي رغبة غيورة من مختص طموح في تخليص مادة السمع من الشوائب التي تنتابها و إستئصال مواطن النقص الكامنة فيها، الشيء الذي لا يتأتى دون تقويم وضعيتها، لكن طبق مقاييس النقد المنهجي. و هذا ما قصدته ملتزما إياه بكل ما يتميز به هذا الاخير من روح موضوعية و نزاهة لاستظهار عجز عملية الاملاء على تحقيق المبتغيات المستهدفة منها، الامر الذي أعده أساسيا في هذا المجال، إذ المنطق السليم يقتضي بأن يبدأ الدارس بضبط أرضية العمل قبل الارتكاز عليها. هكذا و إنطلاقا من هذا الطرح يمكنني أن أجزم بخطورة عملية الاملاء بالنسبة لحاسة السمع الموسيقية و ذلك من خلال المستخلصات التي توصلت إليها و التي ألخصها فيما يلي:

1- في كون قاعدة علمية الاملاء تتناقض مع واقع مادة السمع بإعبتار أنها ترتكز على المبدأ الذي يرمي إلى التجزيئ المصطنع و المتمثل في تقسيم القطعة الموسيقية إلى فقرات لا تعبر في معظمها على العناصر المكونة لوحدتها العضوية، و هذا ضرب تنفر منه طبيعة المادة و يتنافى مع ممارستها العملية و الفعلية، بالقدر الذي يفقد الرؤية السمعية الشمولية عند المستمع، و التي تتجلى في التعامل المبني على الإحاطة السمعية التامة بهذه العناصر، لكن من خلال الكل اي من خلال القطعة الموسيقية ذاتها. 
فقدان  الرؤية السمعية الشمولية هذا، الذي يترتب عنه تعويد المستمع على عادة سلبية لانها لا تنبع من جوهر مادة السمع و لا تم لواقعه الممارس بأية صلة، و يؤدي به في آخر المطاف إلى ما يجوز أن ننعته مجاليا بالشلل السمعي الموسيقي، حيث يصبح من معوقي السمع الموسيقي.
ولم أكن لأعدو الحقيقة في حكمي هذا على عملية الاملاء لانها لم تكن في أية حالة من الأحوال أداة مساعدة للأذن الموسيقية في تعاملها مع الواقع الفعلي للمادة. و يكفي لاضافة المزيد من الايضاح على هذه المسألة أن أستشهد بالبرهان التالي: ذلك أن المستمع كيفما كانت صفته المجالية حينما يقدم على تدوين قطعة موسيقية معروضة عليه لا يتلقاها في سمعها مجزئة على النحو المعمول به في عملية الاملاء بل على العكس من ذلك فهي تعرض عليه في صيغتها الاصلية. و هذا يتنافر بين فعل المادة و الاملاء كأداة غير مناسبة. تنافر يشكل في حذاته مفارقة عضوية بالغة الخطورة في نظري. لان التعامل هنا يتم بتعاطي مبدأ الاملاء أي توخي التجزيء في تلقي المسموع بدل الاستناد إلى التباشر في دراسة هذا الأخير و التحكم فيه بعد ذلك. ولست في حاجة للمزيد من التبرير لان حقيقة هذه المعظلة أصبح يلمسها عندنا الاستاذ و التلميذ على سواء.

2- في كون منطلق عملية الاملاء خاطئ بالاساس لأنه  يرتكز في بنائها على الوسيلة لا على الغاية، أي أنه يركز في إستعمالها و في تعاملها مع الفعل الموسيقي على الطرف المؤدي للمسموع أي الطرف المملي على حد مفهوم الاملاء، بدل أن يركز على الطرف المتلقي المتمثل في الأذن الموسيقية. بيد أن المفروض الذي يستوجبه منطق التربية و التعليم هو تسخير الاداة ككل لبلوغ الغاية أي المستهدف من حاسة السمع الموسيقية. و هذا لايمكنه أن يتحقق إلا على أساس الاعتبار العلمي للعنصر الاساسي الاول في هذه المسألة و هو الأذن الموسيقية كما ذكرنا. و ذلك بحصر المقومات المتصلة بها و بوضع الطريقة النافذة لمنهجها و ضبط المادة الكفيلة بتربيتها و تكوينها بصورة طبيعية دون اللجوء إلى أية عملية مختلقة كشأن الاملاء مثلا. و أعني بها هنا مادة السمع التي تنطلق من خلق الحوار المادوي بين موضوع السمع ذاته و هو الفعل الموسيقي بمجموع مكوناته و محور السمع و هو الأذن الموسيقية. و هذا في نظري هو المنطلق الصحيح الذي يضمن بلوغ غايتنا في هذا المجال وهي تحقيق القدرة السمعية الموسيقية. الشئ الذي لا يتأتي مع عملية الاملاء لانها مبنية على تقديم القطعة الموسيقية بكيفية لا يمكن أن تعمل الا على طمس معالم الموهبة لدى المستمع كيفما كانت صفته و قبر ملكاته الفطرية في هذا المجال.

3- في كون عملية الاملاء هذه تخلو إطلاقا من المقومات المنهجية بحيث أنها لا تعتمد إيه طريقة واضحة و بنية في تلقين المادة السمعية. وهذه إحدى سلبياتها التي تشكل خطورة أخرى بالنسبة لحاسة السمع الموسيقية.

4- في كون الكتب الاملائية لا تحمل من الكتاب المتخصص أي مقوم أساسي حيث نلاحظ بالفعل الغياب التام للطريقة المنهجية المتصلة بمادة السمع، اللهم الاشارة النادرة في بعض الكتب النظرية لكيفية تقسيم القطعة إلى فقرات بالشكل الذي سبق أن أوضحناه و الوارد في المذكرة الوزارية المتعلقة بها الصادرة بفرنسا في 18/1/19887. و التي تقضي بتتجزيئ القطعة الموسيقية إلى حقول على المنوال التالي: يؤدى الحقل الاول بالاعادة ثم يسترسل مع الحقل الثاني و هلم جرا إلى نهاية القطعة.

5- في كون عملية الاملاء لم تخضع إطلاقا لاية دراسة ميدانية دقيقة أو معالجة مجالية صرفة.

6- في كون جل آراء التلاميذ و الطلبة التي استطلعتها في الموضوع و إستقراء نظرات نسبة هامة من المختصين تلتف كلها حول رد واحد و هو : شعورهم بعقم عملية الاملاء الذي يبررونه بتناقضهم مع واقعهم الممارس لمادة السمع.

ثم إن هناك في الاخير نقطة ألح على إثارتها ضمن هذا المحور و هي تتعلق بتسمية هذه العملية، و هي مسألة قد يعتقد الكثيرر أنها لا تكسو أهمية فيما نحن بصدد معالجته، مع أن العكس هو الصحيح. وهذا ما أعتقده و أومن معه أن للتسمية تأثير ملحوظ تمارسه على العامل النفسي للمستمع كان تلميذا أو دارسا. فنحن نتلقى مثلا مادة السمع و هي تنطق بمفعول له أثره الممارس على مركزنا النفسي، سواء شعوريا أو لا شعوريا. مفعول المادة هنا هو السمع الذي يبقى علقا بجموع حواسنا كلما أثرنا المادة المتصلة به. و لهذا فتسمية المادة يجب أن تكون صورة مطابقة لجوهرها نظرا لما لها من انعكاسات عملية على هذا الأخير، تكون سلبية على المادة إذا كانت في غير محلها. و هذا ما نلمسه في عملية الاملاء التي لا تتلائم تسميتها مع مكنون المادة، أملى أي قال بالاعادة، القول الذي ينبني على الحرف و لا ينبني أبدا على الصوت بمفهومه الموسيقي.

كانت هذه هي مجموعة المستخلصات التي أردت التأكيد  من خلالها على سلبيات عملية الاملاء، التي أرفضها شخصيا لكونها من جهة أداة هدامة للطرف الاساسي الاول في السمع وهي الحاسة المرتبطة به. و من جهة أخرى لتيقني من عدم قابليتها أساسا للمعالجة المجالية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

???????